عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
278
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
من شدّته ولذعته . وكذلك سخر من الخليفة الذي أصبحت الموسيقى مصحفه ، ومركز اهتمامه الأوّل . وتشير أبيات دعبل إلى مفارقة واضحة في حياة الناس ، فمنهم من يطرقُ الأبواب ليوفّر لقمة العيش لأطفاله ، ومنهم من يعيش حياة اللهو والتّرف ولا يعرف شيئا عن غيره . ولا بدّ أن نعترف أنّ الشاعر هنا غلبت على شعره المباشرة والخطابية ، وهذا أدّى إلى أن تفقد قصيدته الكثير من جماليّتها ، فلقد كان دعبل بصدد خطاب جماهيري يستعرض الظروف السياسية السائدة ويعالج واقعها عبر أبيات قصيدته . لذلك كان يهتم بالحدث أكثر من اهتمامه بالناحية الفنية كما إنه كان يحاول لفت أنظار الأُمة إلى حقيقة ما يدور في الساحة السياسية العباسية بأقصى درجات الوضوح . وأراد أكثر من ذلك أن يحاول الإحاطة بالموقف السياسي من جميع جوانبه على حساب المعيار الفني للقصيدة . وكان من مواقفه البطولية التي استفاد فيها من قوّته المنطقية والاستدلالية هجاؤه للرشيد حينما جاء المأمون بجثمان الإمام الرضا عليه السلام فدفنه بجوار أبيه ، وقد سئل عن ذلك فقال : ليغفر الله لهارون بجواره للإمام الرضا فقال دعبل رادّاً عليه : « 1 » أَربِعْ بِطُوسٍ عَلى قَبْرِ الزَّكيِ بِها * إنْ كُنْتَ تَرْبَعُ مِنْ دينٍ عَلى وتَرٍ « 2 » قَبْرانِ فِي طُوسَ خَيرُ النّاسِ كلِّهِم * وَقَبْرُ شَرِّهِم هَذا مِنَ العِبَرِ ما يَنْفَعُ الرّجْسَ مِنْ قُرب الزكيِّ ولا * عَلَى الزكيِّ بِقُربِ الرِّجْسِ مِن هَيهَاتَ كُلُّ مْرئٍ رَهْنٌ بِما كسَبَتْ * لَهُ يَداه فَخُذْ ما شِئتَ أوْ فَذَر يشير الشاعر في الأبيات السابقة إلى أنّ مدينة طوس تتضمّن قبرين اثنين هما قبر الإمام الرضا عليه السّلام وقبر هارون الرشيد ، إلّا أنّ هناك مفارقة كبيرة بينهما إذ أحدهما قبر خير النّاس كلّهم والآخر لشرّ النّاسٍ ثمّ يرى الشاعر هذا من عجائب الأمور ويقول : لا ينفع الرشيد شيئاً جوار قبره إلى قبر الإمام الرضا ، كما أنّه لايضرّ الإمام الرضا ( ع ) جوار قبره إلى قبر هارون
--> ( 1 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 198 . ( 2 ) - اربع : قِف . الوطر : الحاجة .